البعد التلميحي للخطاب المسرحي

 البعد التلميحي للخطاب المسرحي

إن حديثنا عن ماهية الخطاب المسرحي، يدعونا إلى دراسة متضمنات القول على مستوى الخطاب الموجه للقارئ أو الجمهور لأغراض لها علاقة بطبيعة المسرح وغايته، ودراسة ظاهرة الاحتجاج وأثره على نفس هذا الخطاب، حيث يسعى المؤلف في خطابه ذلك إلى جذب انتباه القارئ إلى أوضاع اجتماعية وثقافية وسياسية وأخلاقية ونفسية وإيديولوجية…

وبما أن التلميح أبلغ من التصريح والأجدر بتجاوز استجابات قد تكون في غير صالحه، يسعى المؤلف بأسلوبه التلميحي إلى تحقيق غرضين:

1-جعل الخطاب أكثر تبليغا.

2-تجنب ما من شأنه الإساءة إليه مباشرة.

وتصرح « أوبرسفيلد » انطلاقا من ذلك بأن دراسة الحوار تقف على عمليات ثلاث:

1- تحديد الوضعية الخطابية لمختلف المتكلمين، بمعنى التأكيد على »وضعيتهم الكلامية التي ظلت غير مرئية ومضمرة بفعل معاني الأقوال«[1]. وهذه الأقوال في الغالب تحمل في طياتها معاني غير مصرح بها »فيتعين البحث عن العلامات التي تمكن من حصر الوضعية « الحقيقية » والعلاقات « الحقيقية » بين الشخصيات… ويتعين أيضا جرد الميدان المزدوج للأقوال المضمرة…والافتراضات

المسبقة التي تحدد الوضعية الخطابية للمتكلمين«[2].

2-البحث عن مختلف الافتراضات المسبقة التي تتحكم في الحوار ذاته. ونقصد بذلك تلك الفكرة، ذات الأبعاد السياسية والأخلاقية والخيالية…التي صيغ من أجلها حوار الشخصيات.

3-الكشف عن مختلف الأقوال مع التركيز في ذلك، على خلفياتها التاريخية التي من شأنها مساعدتنا على فهم الكيفية التي توظف بها الأقوال المقرّة والصريحة. فيمكننا دراسة هذه الأقوال من خلال وظائفها وتسلسلها في الحوار (مع مراعاة الحدث التاريخي من حيث تسلسله في الزمان) ودراستها أيضا في علاقاتها مع أي بناء خطابي آخر (ربط هذه الأقوال بتوجه فلسفي أو تاريخي أو فني يسعى المؤلف إلى تثبيته)، وكذا في علاقاتها بالافتراضات المسبقة التي تشتمل عليها المسرحية.

وعليه، فإن دراسة المسرحية على أساس مستويات خطابها يعني:

-دراسة تقنيات واستراتيجيات الخطاب والمحادثة (منها طرق الاحتجاج والشرح…) وما لأثر قوانين الخطاب فيها.

-السعي إلى سبر أغوار الدلالات التي تحمل في ثناياها إشارات إلى محتويات ثقافية وسياسية ونفسية وفلسفية وفنية… يرغب المؤلف في إيصالها إلى المتلقي (القارئ –الجمهور).

من المشروع، انطلاقا من تحديدنا السابق للمعالم المنهجية لدراستنا، أن نتساءل عن حقيقة المرسل في الخطاب المسرحي-وإن كنا قد تطرقنا إلى هذه النقطة في الفصل السابق- وعن طبيعة الإخبار، لأنه قد يتبادر إلى أذهاننا السؤال التالي: « ما فائدة قول عبيد لعزة؟ »

تروي كتب التاريخ عن جماعة ضاق سوادها بالظلم والمجاعة والشقاء فاشتعل غضبها وذبحت ملكها ثمّ أكلته (فاصل 2).

أو قول « بريسكا » لـ »غالياس » عندما أقنعته على بقائها في الكهف:

بريسكا: ومهمة أخرى يا غالياس، إذا علمت الناس قصتي وتاريخي فاذكر لهم كما أوصيتك.

غالياس (وهو يهم بالخروج): إنّك قديسة.

بريسكا: كلا..كلا أيها الأحمق الطيّب، ليس هذا ما أوصيتك به.

غالياس: إنّك امرأة أحبّت.

بريسكا: نعموكفى[3].

ألم يكن ذلك خطابا أراد فيه المؤلفان جعل القارئ يصل إلى نتائج غير مصرح بها في العمل المسرحي؟ وهي نتائج ترتبط بالقناعات الذاتية والسياسية والفلسفية…للمؤلِّفين.

ثم ما فائدة إخبار شخصيةٍ شخصيةً أخرى مع العلم أنها كائنات خيالية إن في النص أو في العرض؟ وفي أي مستوى تكمن الإفادة: هل على مستوى خطاب الشخصيات فيما بينها أو خطاب المؤلف الموجه للقارئ أو الجمهور؟ قبل الإجابة عن هذه التساؤلات نشير إلى أن مبدأ المشاركة في هذا النوع من الخطاب يكمن في توظيف المؤلف للغة، بجميع مستوياتها، التي يقرأ بها الجمهور-الهدف. أضف إلى ذلك أنه حينما قرر أن يطبع عمله، كان مقرا بما سينجز عن قراءة الناس له من تفاعلهم ورضاهم به، وبالتالي تقبله أو رفضه وانتقاده بشدة. وعليه، انطلاقا من ذلك، أن يفتح لهم صدره، وفي ظروف خاصة، عليه أن ينتظر ردود فعل قد تمس بشخصه؛ والأمثلة على ذلك كثيرة.

أضف إلى ذلك أن هذا الإقرار الضمني بمبدأ المشاركة هو نفسه موجود لدى القارئ بتفاعله مع النص من حيث محتوياته وخلفياته المتعددة المستويات، وبالملاحظات التي قد يسديها للمؤلف بطريقة أو بأخرى. ونقول إن قبول القارئ قراءة النص هو إقرار ضمني بمبدأ المشاركة.

تأثير الخلفيات المرجعية في الخطاب المسرحي

سنتناول دراسة أقوال المتخاطبين بما تحمله من معطيات لغوية وظفت على أساس احتوائها على بعض الأفكار تنم عما يحتويه الخطاب من محتويات سياسية وأخلاقية وفلسفية….وغيرها، وسنقف في ذلك على ما توفره لنا المسرحيات التالية من افتراضات مسبقة وأقوال مضمرة:

أ-« الملك هو الملك » [4]

سمحت لنا قراءة هذه المسرحية باكتشاف قضايا لها ارتباط مع التوجه السياسي-الإيديولوجي للمؤلف « سعد الله ونوس » المشهور بتوجهاته الأدبية الملتزمة. وهي قضايا ترتبط بالإطار السياسي والإيديولوجي للأنظمة الحاكمة في البلدان المعروفة بفساد حكامها وأنظمتها عامة، وأنظمة حكام البلدان العربية بصفة خاصة.

وقد تشير إلى ذلك بعض العلامات التي لا تتوافق والمحتوى المباشر لمضمون المسرحية، إذ نجد استعمالا خاصا لبعض المفاهيم السياسية في نظام الحكم، لم تظهر للوجود إلا حديثا، مع أن المسرحية تجري أحداثها في مملكة من الطراز القديم. أضف إلى ذلك طبيعة حوار بعض الشخصيات المسرحية (عبيد وزاهد مثلا) الذي ينم عن وعي سياسي وفكري راق، يعكس في الحقيقة وعي الكاتب. وإلا فكيف نفسر فكرة أن الأنظمة الفاسدة (وقد استنتجناها في مضمون المسرحية) تستمد وجودها وشرعيتها من أصحاب رؤوس الأموال (الممثل في شهبندر التجار وتجار الحرير) وفساد رجال الدين (الممثلون من قِبل الشيخ طه)، هؤلاء الذين يشكلون مصدر تخدير العامة (على حد تعبير الماركسيين) بالدعاية لذلك النظام.

وقبل أن نطيل في عرض هذه الخلفيات في مسرحيتنا، نشير إلى أن الخطاب المسرحي هو عبارة عن مجموعة من الأقوال ذات أبعاد تلميحية تظهر في شكل افتراضات مسبقة وأقوال مضمرة. وهي تشكل على حد تعبير « منقونو »، سُلّما من المتضمنات المتحققة[5]. ونلاحظ ذلك مثلا فيما يلي:

الملك: ألا يتعبون من صياغة الآراء.

نفهم من قول الملك أنه قد ضجر من صياغة حاشيته للآراء، إنها آراء لا تهمه في شيء ولا يعبأ بها، فهو يتصرف في مملكته حسب ما تمليه عليه ميوله ونزواته، وهذا يقودنا إلى استنتاج أشياء غير مصرح بها في النص:

إن الملك حينما قال ذلك أراد من وزيره أن يفهم ما يريد قوله.

والمؤلف في قوله ذلك أراد منا أن نفهم أشياء غير تلك التي صرح بها الملك. وأعمال المؤلف، باعتبارها أعمالا ملتزمة، تشير إلى ذلك وتريد منا أن نتبين حقائق مرتبطة بأنظمة الحكم الفاسدة.

والمسرحيات العربية والعالمية التي من هذا القبيل قد تشير إلى ذلك وتريد منا أن نتبين حقائق مرتبطة بنظام عالمي فاسد يرفض صياغة الآراء…

هذه كلها افتراضات، وبإمكاننا أن نورد عددا لا متناهيا منها، استنتجناها من خلال عبارة تلفظت بها إحدى شخصيات المسرحية. وهذا ما قصده « منقونو » بسلم الافتراضات المتحققة.

يختلف صياغة المؤلف للخطاب المسرحي من مسرحية لأخرى وهذا باختلاف الظروف والأحوال التي حفّت بتأليف المسرحية، وهي ظروف تؤهل المؤلف إلى استغلال ما توفره له اللغة من تعابير وصيغ… وما توفره له عبقريته في صياغة خطابه مع مراعاة اللغة من جهة والمعطيات الاجتماعية والسياسية والثقافية من جهة أخرى. ومن تقاليد المسرح والأدب عموما الميل إلى استعمال التلميح في صياغة الخطابات.

وسنتحدث في هذا السياق عن الكيفية التي تتجلى فيها قوانين الخطاب في المسرحية، علما أن ذلك قد يكون على مستوى خطاب المؤلف في المقاطع التي يعمل فيها على شرح وعرض وضعية نفسية أو موضوعية معينة، كأن يصف مكانا، أو في تقنيات التناجي، وقد يكون باستعمال بعض الحيل أثناء حديث الشخصيات مثل:

-ظهور شخصيات لا علم لها بما يحدث، فتعمل على طرح الأسئلة لإثراء رصيدها المعرفي، فتكون الإجابة موجهة أساسا نحو المتلقي الخارجي باعتباره المستفيد الأول والأخير من خطاب المؤلف في المسرحية.

-الاستفادة إلى حد بعيد بمحتوى الافتراضات المسبقة من أخبار عن أحوال الشخصيات وأحوال المجتمع كما يتصورها المؤلف، مثال ذلك: قول الوزير:

تقلقهم بعض مظاهر التراخي ويخشون أن تستفحل فتنقلب خطرا على مولاي (المشهد الأول).

هذا يجعلنا نفترض مايلي:

المملكة في مرحلة من عمرها أصبحت تعاني من ضعف الملك وحاشيته بسبب الترف والتراخي اللذين يميزان المجتمعات التي ستؤول إلى الانحطاط والضعف. لكن بعض الأعيان أدركوا هذه السنة الكونية وهم يخشون على مكانتهم في المملكة. فهناك بالتالي خطر كبير يهدد المملكة، على الملك تداركه قبل أن يسوء مصيره، لأنه يشكل رأس هرم الحكم، فإن هلاكه يعني هلاك من حوله.

التاريخ السياسي والاجتماعي للحضارات والشعوب والدول كان لنا عونا في فهم محتويات هذا الخطاب، فقد وفرَّ لنا معلومات عن نشأة تلك الدول وعوامل قوتها وضعفها وزوالها*.

فهو يعلمنا أن الحكم لدى بعض الحكام عبر التاريخ يعتبر « لعبة ». فجميع أجهزة الحكم تشكل لعبة في يد الحاكم، يتلاعب بها كما يريد، فيسخرها لصالحه أحيانا، ويسيء لنفسه بها أحيانا أخرى. وجوهر هذه اللعبة يكمن في أن العامة أو الرعية تشكل السواد الأعظم، الذي هو الأصل والمصدر الحقيقي للحكم، لكنها تصير لعبة في يد من هب ودب، يقضي بها وقته ويرفه بها عن نفسه ويشبع بها ميوله ونزواته.

هذا ما يقصده « عبيد » بلفظة اللعبة، وقد جاء الملك الحقيقي ليؤكد ما ذهب إليه « عبيد ». يقول الوزير « بربير »:

أنا الوزير بربير الخطير، أتمنى أن أظل إلى جانب الملك، أسعفه بتدبيري وأوجه الأحكام وسياسة البلاد بمشورتي.

وهو فعلا وزير خطير لأنه تمكن رغم كل ما حدث، من المحافظة على لقبه ومنصبه الذي هو أساس الحكم في مثل هذه الأنظمة، ولنقل في جميع الأنظمة، لأن الرئيس أو الملك…لا يمكن له أن يقوم بأي شيء دون مشورة غيره من وزراء ومستشارين.

فقد كان يخشى أن تضيع منه وزارته، وكان يقول للملك:

أما أنا فدعني اعترف حين أخلع ردائي، أشعر بنوع من الرخاوة تدب في بدني. ولكن هذه هي الحقيقة. تخور ساقاي أو تصبح الأرض أقل صلابة (المشهد الأول).

ويشكل « الرداء » رمزا لمنصبه كوزير مهدد في حالة تنكره. وقد قصد « بصلابة الأرض » صلابة الحكم.

وفهم الملك هذا المقصود حينما أجابه:

الملك: أعتقد أنك لن تعيش إلى غدك لو ضاعت منك الوزراة(نفس المشهد).

وكذلك في قول الوزير:

ماذا يحس مولاي حين ينزلق هذا الرداء المهيب من كتفيه؟

ولكن الملك لم يولِ أية عناية لمثل هذه الأمور. وذلك حقا ما حصل، إذ أن « الرداء المهيب » قد انتزع من كتفيه، ولم يتمكن ثانية من ارتدائه.

كان الوزير يتلذذ لأي سلوك بطش يصدر من الملك تجاه رعيته.

وفي هذه « اللعبة » ينتحي الشهبندر والشيخ ركنا قصيا متابعين عبثهما بالدمى، وهو رمز إلى قوة ذوي رؤوس الأموال من أغنياء التجار ورجال الدين الموالين للسلطة، التي تساهم بصفة خاصة على بقاء الحكم على شدته وتسلطه. فبفضلهما، يمكن للحاكم أن يسيطر على رعيته، فيسنّ أحكاما وقوانين تعمل على إغناء التجار وإفقار العامة، ولكي لا تثور هذه الرعية يتدخل الشيخ طه لتخديرها. فالعامة والحكم معا بالنسبة لهذين الرجلين هما بمثابة دمى يتحكمان فيها ويسير أنها كما يشاءان.

الشيخ طه:خيط يمسك العامة.

الشهبندر:وخيط يمسك أسباب الرزق والتجارة.

الشيخ طه والشهبندر : وخيط يمسك القصر والملك والسياسة، نحن نمسك الخيوط، من المحراب ومن السوق، وسنظل نمسك الخيوط.

أما مصير العامة فستظل دوما على ما هو عليه، إن في هذه الحكاية التي يرويها المؤلف أو في واقع مثل هذه المجتمعات.

زاهد: سنبقى منزويين في هذه الحكاية، كما هو حالنا في الحياة(المدخل).

رغم بعض الإشارات التي تدل على عكس ذلك.

زاهد: إنها ليست بعيدة على كل حال

 ـ تروي كتب التاريخ عن جماعة

ـ ضاق سوادها بالظلم والجور والشقاء

فاشتعل غضبها

وذبحت ملكها

ثمّ أكلته

في البداية شعروا بالمغص

وبعضهم تقيأ

– لكن بعد فترة صحت جسومهم، وتساوى الناس وراقت الحياة ولم يبق تنكر ولا متنكرون (الخاتمة).

أما الضمان على بقاء تلك الأنظمة الجائرة فهو في ما يقوله « عرقوب »:

استقرت أخيرا بلادنا الميمونة على الحكمة القديمة المأمونة: « المسموح على قدر الممنوع ».

وقد وافقه السياف على ذلك، إلا أنه لم يوافقه في بعض الأحكام:

عرقوب: أن يتحول الخيال إلى واقع.

السياف: ممنوع.

عرقوب: أن يتحول الوهم إلى شغب.

السياف: ممنوع.

فقد الأوضاع قد تغيرت عليه (السياف)، فقد أسند الملك وظيفة السياف لنفسه، ولم تعد لديه وظيفة، لأنه يدرك أن « العضو الذي يفقد وظيفته مآله الضمور »، وهو قانون من قوانين الطبيعة. يمكن القول انطلاقا مما سبق أن « سعد الله ونوس » قد تعمد استعمال الرمز والإيحاء في مسرحيته، بصياغتها على شكل افتراضات مسبقة وأقوال مضمرة نظرا لما حوته من ثراء في المعلومات الإخبارية دون الحاجة إلى التصريح، وإن كان هذا الأخير بينا في مواقف كثيرة.

ونود أن نشير بصدد هذا الحديث إلى البعد الرمزي والمجازي في هذه المسرحية. إنه من اليسير، انطلاقا من هذه الظواهر البلاغية-التبليغية إدراك الافتراضات المسبقة ومعرفتها. فالمسرحية كلها تزخر بهذه الظواهر اللغوية من استعارة وتشبيه وكناية…

ويحضرنا هنا ما قاله « عبد القاهر الجرجاني » في أثر هذه الصور البلاغية على إفهام المستمعين: »قد أجمع الجميع على أن الكناية أبلغ من الإفصاح والتعريض أوقع من التصريح، وأن للاستعارة مزية وفضلا، وأن المجاز أبدا أبلغ من الحقيقة. ألا إن ذلك وإن كان معلوما على الجملة فإنه لا تطمئن نفس العاقل في كل ما يطلب العلم به حتى يبلغ فيه غايته«…[6].

وما إيرادنا لهذا القول لـ »عبد القاهر الجرجاني » إلا لنبين أثر هذه الظواهر اللغوية التبليغية وتأثيرها في نفس السامع أو القارئ. والحال كذلك في هذه المسرحية التي طغت عليها تلك الظواهر، الشيء الذي جعل الافتراضات المسبقة تبدو جلية وواضحة لنا، وقد أشرنا إلى بعضها في المسرحية مثل: الرداء، الخيوط، الدمى… ولا داعي للإطالة فيها لكي لا نخرج عن موضوعنا.

نشير في الأخير إلى أننا سنواصل استعراض بعض ما حوته المسرحية من افتراضات مسبقة وأقوال مضمرة، تساعدنا على الفهم الشامل للمسرحية.

مصطفى: (يمسكه من قذاله) لا تكشف اللعبة من بدايتها (المشهد الخامس-1-) جاء قول مصطفى هذا حينما لاحظ أن محمودا قد أصابه هلع بسبب رؤيته « عرقوب » يرتدي رداءه. فيفهم من هذا القول أن هناك حقيقة « لعبة » ستكون عواقبها وخيمة لأن العرش هو أساس اللعبة.

ولم نكن ندرك أن للملك زوجة لو لم يدلنا عليها ما قاله « عرقوب » لمحمود.

محمود: والملكة؟

عرقوب: والملكةمولاتي الملكة بلحمها ودمها كانت تناغيه وتطعمه بيدها.

(المشهد الخامس-4-)

إن استنتاجات المتكلم (مصطفى) بفعل المعلومات المسبقة الكائنة بحوزته هي التي جعلته يقول ما قال. كان يعرف أن ذلك ما هو إلا مجرد لعبة، رغم الشكوك التي بدأت تساوره عند قول محمود ذلك.

بإمكاننا لو وضعنا أنفسنا مكان الملك أن نستنتج ما يلي:

من الخطأ أن يكون « أبو عزة » المغفل ملكا (حقيقيا) لأنني أنا الذي وضعته في هذا المكان لتكون اللعبة أكثر شراسة ومرحا، وبالتالي جاء قول الوزير باطلا وفي غير محله، إن هذا الذي قصده محمود بالملك ما هو إلا صاحبنا الفاشل والمغفل « أبو عزة ». ولكن لماذا قال محمود ذلك؟ (وهذا ما يفسر انتفاضته).

وقد أدرك محمود تلك الشكوك التي كانت تساور الملك.

محمود: حقا هذه هي اللحظة، الشكوك كان تساور مولاي هذا الصباح ولن يصعب إزاحة وزير لم يقتنع أنه الوزير، أما مولاي فسيظل مولاي (المشهد الخامس-4-)

إنه مقتنع بأن وزارته لن تطير من بين يديه، ومقتنع أيضا بأن عدم الاقتناع بالمنصب سيؤدي بصاحبه إلى اقتلاعه منه (منصب الملك أو الوزير) كما هو الحال بالنسبة لـ »عرقوب » وكذا الملك الحقيقي.

وكان يقصد أن ثبوته هذا بجانب الملك هو ثبوت أمام الملك القادر على الحفاظ على عرشه مهما كلفه ذلك، ومثل هذا الملك يجيد استعمال جميع ما يملك ليمسك بزمام الأمور ولو استعان بأغنياء المملكة وبرجال دينها.

وقد نتحدث في هذا المقام عن خرق أحد قوانين الخطاب وهو قانون المشاركة إذ أن الوزير كان يقول للملك أشياء بقصد الوقوف على استنتاجات غير تلك التي لدى الملك، فحينما كان يقول: أما مولاي فسيظل مولاي، فإنه كان يقصد « أبا عزة »، وأنه لن يكون وزيرا له، وهو غير الاستنتاج الذي قد يصل إليه مصطفى إذا نظرنا إلى ذلك من خلال السياق. فهو سيفهم أن محمودا (الوزير) سيظل دوما وفيا له.

إن هذا الخرق لقانون المشاركة جاء متعمدا لم يرد الكشف عن نواياه، وهذا ما يفسر استخدام استراتيجيات الأقوال المضمرة.

ب: مسرحية « أهل الكهف »:

هي مسرحية جرت أحداثها في نقطة ثابتة من التاريخ وفي مكان محدد من المعمورة. وقد تناولتها الكتب السماوية حيث جاءت في القرآن الكريم تسمية سورة بأكملها باسم تلك الحادثة. ويمكن لنا أن نصرح، قبل أن نشرع في دراسة مختلف الافتراضات المسبقة التي احتواها بعض خطاب شخصيات المسرحية، بأنه إذا كانت مسرحية « الملك هو الملك » تحتوي افتراضا مسبقا يشير إلى طبيعة الصراع السياسي في المجتمعات التي لا يشكل فيها الشعب مصدر السلطة وشرعيتها، فإن الافتراض المسبق في مسرحية « أهل الكهف » ينم عن العلاقة الأبدية للإنسان بعامل الزمن. إذ أن الفتية الثلاثة، وإن لم يغيّر الزمن من إدراكهم لذواتهم، إذ ظنّوا أنّهم ما لبثوا في الكهف إلا بضع ساعات أو يزيد، إلا أن الزمن كان قد ساهم في إدراكهم للغير وإدراك الغير لهم وذلك حينما اكتشفوا أنهم يتحدثون مع أشخاص يشكلون أحفاد أحفاد الأشخاص الذين عاشوا في عصرهم، فقد اكتشف الراعي « يمليخا » أنه لا أثر لغنمه في المدينة، واكتشف « مرنوش » بعد بحث طويل وعناء في السؤال أن زوجته وابنه قد توفيا منذ قرون، وأن ابنه كان قد توفي في سن الستين، بعدما كان بطلا من أبطال الأمة في محاربته للأعداء أثناء الغزوات، وحتى قبره لا يكاد يرى إذ فعلت فيه السنون ما فعلت. و »ميشلينا » الذي ظن، مكذبا لصديقيه، أن « بريسكا » لا زالت حية، اكتشف أن « بريسكا » التي تحدث معها ما هي إلا ابنة ملك حكم المنطقة ثلاثة قرون بعد وفاة « دقيانوس ».

نلاحظ من ناحية أخرى، وهذا ما أراد « توفيق الحكيم » الوصول إليه، أن الزمن لا يمكن له أن يغير من الأحاسيس النبيلة للإنسان، حيث لبث « ميشلينا » على حب « بريسكا » كل تلك القرون، رغم اكتشافه بعد حوار طويل، جرى بينه وبين « بريسكا » ابنة الملك الحديث، ملؤه الإلحاح والتعنت والإصرار على اعتبارها حبيبته « بريسكا » ابنة « دقيانوس ».

كانت كل الافتراضات المسبقة لـ »بريسكا » الحديثة تشير إلى أن « ميشلينا » يتحدث مع شخص غير ذلك الموجود في ذهنه، فقد دعم خطابها ذلك بمعطيات تاريخية علّها ستقنعه بما قالته، ولكن « ميشلينا » كان مصرا على إلحاحه.

بريسكا: فهمت إني لست « بريسكا » التي تقصدها، يا إلهي كل هذا الذي قلت لم يكن لي إذن، بل للأخرى[7].

بريسكا: إن « بريسكا » ابنة « دقيانوس »، خطيبتك التي تهواها ماتت منذ ثلاثمائـة عام[8].

بريسكا: ألم يخبرك أحد بقصة العراف الذي جاءوا به ساعة ميلادي لينظر طالعي.

ميشلينا: (كمن يتذكر): العراف؟

بريسكا: لقد تنبأ بأني حينما أكبر سأشبه القديسة « بريسكا » ابنة « دقيانوس »، ولهذا دعوني باسم بريسكا[9].

وتختلط عليه الأمور من جراء ما جرى بينهما من حوار. فنجده يقول:

بريسكا عزيزتي، تعاليأنت هيرباه أنت لستِ إياهالست إياهاومن تكونين إذن؟ أنت؟ أ نائم أنا؟ أحي أنا؟ أ أكون في حلم مضطرب مختلط. إلهي؟ إلهي؟ أيها المسيح. أيها الإله، أعطني عقلي أرى به، أعطني النور أو أعطني الموت. اليقظة. النوم. العقل. العقل « مرنوش » أين أنت يا « مرنوش »؟ أين نحن؟ أين نحن الآن؟ أحلام الكهف؟ أهي أحلام الكهف؟ أ أنا في الحقيقة؟ أ أنا في الكهف؟ ما هذه الأعمدة؟إليّ يا « مرنوش » يا « يمليخا » إنا لا نصلح للحياةإنا لا نصلح للزمنليست لنا عقول لا نصح للحياة[10].

إن الشيء الوحيد الذي لم يفعل فيه الزمن فعلته هو إحساسه نحو « بريسكا » ونحو صاحبيه الذين قضى معهما أكثر من ثلاثة قرون دون أن يشعروا بذلك.

ولم يؤثر طول الزمن في حب « بريسكا » لـ »ميشلينا »، ويتجلى ذلك حسب ما ذهبت إليه « بريسكا » انطلاقا من قول العراف بأنه سيكون لـ »بريسكا » نفس مصير الفتيان الثلاثة، أي دفنها معهم في الكهف وهي حية، وقد دفق ذلك في قلبها نبعا من الحب تجاهه مثل ذلك الذي كان لـ »بريسكا » ابنة « دقيانوس » نحوه، وهذا ما يفسر ويؤكد قول العراف، بمعنى إن الزمن سيقتل كل ما في الإنسان من جسد وعقل، ولكن الشيء الذي لا يقدر عليه هو الحب:

بريسكا: بل عش، عش لي، لا تمت أني أحبك.

ميشلينا: الزمن.

بريسكا: الزمن؟ لاشيء يفصلني عنك. إنّ القلب أقوى من الزّمن.

مشلينا: أحلمآخرسعيد.

بريسكا: بل حقيقةحقيقة خالدة يا ميشليناأنا بريسكا، وليس يهمني بعد أن أكون إياها أو لا أكون، بل من يدري؟ لعلي هي، إن الشبه بيننا ليس مصادفة.. ومقابلتنا ليست مصادفة كذلكمقابلتنا في هذا الجيلإنك بعثت لي، وبعثت أنا لك، بعثا من نوع آخر، قم واحي وعش

مشلينا: (يجاهد) نعم لست أريدلست أريد الموترباه ! أنقذني ها هي ذي السعادة، ها قد قهرنا الزمنالقلب قهر (تخونه قواه).

بريسكا: (وهي ترفع رأسه بين ذراعيها) نعم. نعم القلب قهر الزمن، إني منذ حادثتك أول مرة، كأني أحبك منذ ثلاثمائة عام[11].

وقد أراد « توفيق الحكيم » من خلال خطاب شخصياته أن يثبت حقيقة وهي أن عاطفة الحب هي عاطفة مقدسة بنفس درجة التقديس الذي يستمد مصدره من الوحي. وهذه العاطفة هي التي جعلت من « بريسكا » ابنة « دقيانوس » قديسة. والأمر نفسه بالنسبة لـ »بريسكا » ابنة الملك المسيحي. فالأولى أفنت حياتها في حب « ميشلينا » ورفضها الزواج من أي شخص آخر ولا حتى أن تحب شخصا آخر. فقد ماتت دون زواج كإشارة لوفائها لـ »ميشلينا ». والثانية اختارت أن تدفن حية في القبر لتظل بقية حياتها إلى جانبه حتى تعوض تلك الأيام والسنين التي حرمت منها الأولى. وهو، في نظر « توفيق الحكيم » القداسة بعينها فقداسة المسيح (عليه السلام) –في نظر المسيحيين- تكمن في تحمله لذنوب البشرية جمعاء. وهذه القداسة عينها توازي بل تساوي قداسة احترام العاطفة الإنسانية النبيلة، بل والموت من أجل أن تعيش.

ويعد الحوار الأخير بينها وبين معلمها « غالياس »، وقد أوردناه منذ البداية، أحسن ما يعكس هذا الافتراض السالف ذكره، فقد رفضت « بريسكا » أن يقال عنها إنها قديسة ويخلد اسمها تحت هذا النعت. أراد « توفيق الحكيم »، من خلال خطاب « بريسكا »، أن تكون عاطفة الحب أقدس من العاطفة الدينية، لأن القداسة في نظر الناس هي تلك التي تستمد مصدرها من الوحي الديني. وهذا ما يطرح أخيرا على بساط المناقشة قيمة الذات الإنسانية وعلاقتها بالدين.

جـ: « حلاق بغداد »[12]

ألفت هذه المسرحية على نمط القصص الشعبي، وهي بالتالي تعالج قضايا اجتماعية وأخلاقية تتعلق بعمق المجتمع العربي بكل ما ينطوي عليه من خصوصيات. والحكايتان يدور موضوعهما حول ما تعانيه المرأة في مجتمع طغت عليه سلطة الرجل وشملت جميع شؤون الحياة. أما الحكاية الأولى فالحديث فيها يدور حول علاقة الرجل بالمرأة وما يتخلل هذه العلاقة من عراقيل، والحديث في الحكاية الثانية يدور حول علاقة المرأة بالإدارة. هذا من ناحية ومن ناحية أخرى حوى خطاب المسرحية افتراضات مسبقة أخرى أهمها ما للفضول من اثر على العلاقات بين الأشخاص. إذ أنه سلوك غير محبذ في المجتمع، رغم كون صاحبه تسبب في إنقاذ شخصين وتزويجهما إلا أنه وكنتيجة لذلك انتزع منه القاضي رخصة الحمّال بعد أن انتزع منه رخصة الحلاق قبل ذلك. وبما أن الحكايتين ترويان قصة فضولي فإن هذا الأخير يعتمد في ذلك على ما توفره اللغة وظروف الخطاب من أقوال مضمرة وافتراضات مسبقة ليصل إلى غايته وهي معرفة كل شيء عن الناس. وهذا ما قد ظفرنا به في هذه المسرحية التي يعتمد فيها أبو الفضول على حيله الكلامية التي يفك بها الرموز التي احتوتها خطابات الآخرين. وقد أدرك أن أحسن وسيلة كلامية إخبارية هو التلاعب بالافتراضات المسبقة. فقد كانت حيله ذكية إلى درجة حملت الطرف الآخر على إخباره عن كل ما في خلده. وقد ساعدته قوته في الملاحظة على الوصول إلى مآربه. إذ نجده يقول حينما دخل إلى بيت « يوسف » وهو يحمل بقجة « شفيقة »:

أبو الفضول: اسأل عن عرس. الله ! غريبة؟!

كان يعلم عند حمله لبقجة « شفيقة » أن هناك شيئا ولكن استنتاجاته لم توصله إلى نتيجة منطقية لأنه تنقصه عناصر كثيرة. وقد تخفى وراء أجر للبقجة إذ أنه لم يكن راضيًا عن هذا الأجر، لأن البقجة ثقيلة حسب زعمه، وفي الوقت نفسه لم يرغب في أخذ الأجر ذاته لأنه كان يعرف أن هناك أمر معينا وعليه يجعل « شفيقة » تدفع أكثر من اللازم.

يوسف: وكل غريبة صادفتهاوكل حادث وقع لك ما الذي استرعى انتباهك هنا في بيتي؟

أبو الفضول: (لا يزال حذرا) انتباهي؟

شفيقة: لا تتكلم ! لا تجب !

أبو الفضول: انتظري يا ست ! السيد يحدثنيلا تقطعي رزقي ! الذي أثار انتباهي أن البيت ليس فيه زينات ولا شبل وحط. البيت نظيف نعم ولكن في الأمر شيء.

أبو الفضول: أنت في مأزق يا سيدي.

ثمّ يحاول أن يذهب أبعد من ذلك في حمل « يوسف » على الإقرار بالحقيقة، وما كان لـ »يوسف » إلا أن يتصرف بطريقة تؤكد ما ذهب إليه « أبو الفضول ». حينما همَّ « يوسف » على أذيته قالت شفيقة:

دعه يا « يوسف ». في يوم عرسك.

وقد اطمئن « أبو الفضول » لأنه استطاع أن يقتطع منهما جزءا من الحقيقة فعليه أن يتحايل أكثر ليعرف كل شيء:

عرس: هاهه يا سيديأنا لم أتجنَّهنا عرس.

وبما أن الجميع قد أقرّوا هذه الحقيقة، فسوف يسيرون في حديثهم إلى أبعد من هذه النقطة، وهو ما أراده « أبو الفضول »:

يوسف: (قد تمكّن منه تماما) ستخرج من هنا إلى السوق..هه؟ يسألك زملاؤك أين كنتكنت أحمل ثياب العروسمن هي العروس؟ آه. هما في مأزقما هو؟ من العريس؟ ما شكله؟ عنوان بيته؟ الجارية قادمة من حي دجلة إلى ما وراء المسجد من بيت من؟ ومن هنا لهنا بغداد كلها تلوك حكايتي. لن تخرج من هنا حيا

أدرك « يوسف » ما يدور في ذهن « أبو الفضول » من استنتاجات، نتيجة لمعرفته بطريقة التفكير في المجتمع.

ورغم الورطة التي تورط فيها « أبو الفضول »، فإنه ما زال يطرح الأسئلة ليعرف أكثر عن « يوسف »:

شفيقة: احبسه يا يوسف وسافر أنتلا تحمل هما.

أبو الفضول: (يقفز) ستسافر؟ !

ولكن « أبو الفضول » في هذه الوضعية الخطابية ليس له الحق في طرح الأسئلة لأنه لن يتحصل على إجابة من جهة، وهو موجود تحت رحمة « يوسف » من جهة أخرى.

فكان « أبو الفضول » يستغل الافتراضات المسبقة لـ »شفيقة » للمعرفة أكثر وللخروج من ورطته. وهذا ما فعله حينما قالت لـ »يوسف »:

أرسل لك حلاقا يا يوسف.

فقد استغل هذه الفرصة واقترح على « يوسف » أن يحلق له رأسه وذقنه وقد نجح في ذلك. ويتقدم « أبو الفضول » قليلا قليلا في استنتاجه حينما دخل إلى غرفة « يوسف » ليحمل « فوطة »، فرأى ما رأى، وقال في نفسه:

أبو الفضول:.الفراش فراش غرام، والملابس متستفة في الخزانة وصندوق الأمتعة فارغ كقلب الخلى. والله ولا سفر ولا غيره هنا يا أبا الفضول سترى بعينيك وتسمع بأذنيك كل شيء، إن لم يكن زواجا سريا فهو وصال عاشقين سُخنين جدا، ورطة فظيعة وقع فيها الولد.

يكون « أبو الفضول » هكذا قد عدل من العديد من استنتاجاته، فهو يدرك أنه لا سفر هناك، وقد لا يكون زواج سري إنما وصال عاشقين سُخنين. وقد تأكد فعلا أن الولد في ورطة حقا.

ومن بين الحيل الذكية التي يعتمدها « أبو الفضول » في الحصول على معلومات استخدام الاحتجاج. فحينما كان يحلق شارب « يوسف » قال له:

أبو الفضول: الأمر يعتمد على المناسبة يا سيد، هذا سؤال لزوم أحكام الصنعة. آه فالحلاقة فن. إن كنت ذاهبا لملاقاة أمير أو وزير أو كنت على موعد مع غانية سمينة لعوب أو كنت مقبل على جلسة تجار لتعقد صفقةأنفش لك شاربك، أما أن كنت على موعد مع صبية رقيقة..أخففه لك.

ولكنه لم ينجح في ذلك لأن « يوسف » كان قد أدرك هذه الحيلة، فلجأ إلى إسداء النصيحة لعله سيصل إلى معرفة شيء جديد.

عين الحكمة، فتى في مطلع العمر، لكن الله يكملك بعقلك يا سي يوسف.

ولكنه لم يفلح أيضا في ذلك.

وعندما رفض « يوسف » إخباره، التجأ إلى ما قاله الناس في السوق أثناء تجوله فيها حيث عرف قصة « يوسف » من أولها لآخرها، وقد اخترع لـ »يوسف » قصة خيالية لعشيقين اكتشفهما الوزير في البستان وقتلهما، ولكن « أبا الفضول » لم يدرك بعد ماذا يريد أن يفعل « يوسف »، ولذلك اخترع هذه الحكاية.

وقد كان يستغل المواقف الحرجة للحصول على المعلومات، إذ بعد أن هم « يوسف » بإيذائه، أخرج له من جعبته قصة اختطاف « يوسف » لفتاة من بيت القاضي. وقد كان يعترف أن غرضه الوحيد في ذلك هو إشفاء غليله:

أبو الفضول: (مذعور بحق والموسى على عنقه) شيء في قلبي يأكلني حتى أعرف. لا أهدأ حتى أعرف.

وعند دخول القاضي والوزير والخليفة عندما سمعا صراخا في ذلك البيت، سأل الخليفة الوزير عما جرى فكشف الوزير عن القصة، إلا أن الشيء الذي لم يتمكن « أبو الفضول » من اكتشافه هو رغبة « يوسف » في الانتحار هو وعشيقته، وقد أذهله ذلك لأنه كان قد اكتشف أنه سرق الماء المسموم الموجود في الإبريق وعوضه بماء زلال مصبوغ بصبغة شعر.

بعد استعراضنا لطبيعة متضمنات القول في النصوص المسرحية الثلاثة، يمكن القول إن بناء الخطاب المسرحي (بالنسبة للمؤلف) وتأويله (بالنسبة للقارئ-الجمهور) يتوقف على النقاط التالية:

-الملكة اللغوية التي تساعد المؤلف على صياغة الافتراضات المسبقة، وقدرة القارئ على استنباطها.

-أن تتوفر لدى القارئ المرجعية الثقافية للعمل المسرحي.

4-2- أثر الاحتجاج في الخطاب المسرحي:

سنحاول في هذا الإطار أن ندرس الأسلوب أو الأساليب الذي يتجلى فيها الاحتجاج في الخطاب المسرحي وهو ما يدعم الإطار التلميحي للخطاب المسرحي. ونعمل بذلك على توضيح عملية الاحتجاج في الخطاب العادي من خلال خطاب الشخصيات المسرحية: لأن المؤلف المسرحي في هذا السياق، يصعب عليه أن يذهب بعيدا، في صياغته لأسلوب احتجاج شخصياته، عن أسلوبه هو في الاحتجاج. زد على ذلك، أن الغاية من احتجاجه هي حمل القارئ-الجمهور على الاقتناع بأفكاره ومقولاته. وسنضيف إلى ذلك، إشارات إلى أساليب الشرح في المسرح باعتبار الشرح يشكل-كما أشرنا سابقا-نمطا من الاحتجاج.

حينما تكون الحضارتان متباعدتين، وطرق التفكير فيهما مختلفة، يبدو الاحتجاج أكثر تعقيدا، لأن الاستنتاج يقوم على معطيات ومقدمات ثابتة زمنيا ومكانيا، ومجرد تغيير العنصرين يحدث هشاشة في الاحتجاجات، وتضحى العملية التبليغية، انطلاقا من ذلك، مشوشة، الأمر الذي يثير سوء التفاهم بين المتخاطبين، حتى وإن تظاهر بعضهم بفهمه لاحتجاجات الآخر. وهو ما حدث للفتية الثلاثة في « أهل الكهف ». لقد وجد « مرنوش » و »يمليخا » و »مشلينا » صعوبات جمة في إقامة علاقات تبليغية سوية مع أصحاب مدينة « طرطوس »، بسبب اختلاف منطلقاتهم في الاحتجاج نتيجة اختلاف مرجعياتهم. كان هؤلاء يدركون أن الفتية الثلاثة هم الذين ذكرهم الناس منذ ثلاثة قرون. فهم يمثلون، في أعينهم، رجالا قديسين، فكانت مخطاباتهم لهم قائمة على هذا الأساس.

غالياس: الم أحدثك يا مولاتي فيما حدثتك عن تاريخ عصر الشهداء أن فتية من أشراف الروم هربوا بدينهم من دقيانوس، ولم يظهروا، ولم يعلم عنهم شيئا، وقد لبث معاصروهم ينتظرون أوبتهم وينشئون عنهم الأساطير مؤكدين عودتهم؟. ولقد قرأت كتبا قديمة تتنبأ بيوم يظهرون

الملك: أتؤمن إذن بهذا يا غالياس؟

غالياس: (في حماسة وفرح) كل الإيمان يا مولاي، نعم الآن لا ريب عندي في أنهم هم. ولقد أظهرهم الله في عصرك السعيد يا مولاي لأنك مسيحي مؤمن بإله واحد ولأن عصرك عصر المسيحية الزاهرة[13]

إنهم شديدو الاعتقاد بأن هؤلاء الفتية جاءوا من عصر آخر وإن ظهورهم ذلك جاء على سبيل إثبات المعجزة الإلهية ليكون الناس أكثر إيمانا بالله وبالمسيح. فقد جاء اعتقادهم ذلك مصوغا على ما يلي: في العهود الأولى من المسيحية، كان هناك ملك « دقيانوس » ناقم على هذا الدين فأقام مذابح للمسيحيين، فكان من بينهم قريبين له، حيث هربوا بدينهم ومعهم راعي وكلبه « قمطير ». واختفوا من ذلك الوقت، والناس من بعدهم كانوا ينتظرون رجوعهم، ولكنهم سيظهرون في عصر نسيهم الناس، وكنتيجة لذلك سيظهرون في عصر الملك المسيح. وبالتالي فإن خطابات الملك و »غالياس » وباقي الناس، جاءت مصاغة بالمعطيات السابقة الذكر. الأمر الذي لم يقتنع به الفتية الثلاثة، إذ اعتقدوا أن ثبوتهم في الكهف لم يدم طويلا:

]قال قائل منهم كم لبثتم` قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم` [14][.

ميشلينا: أنا كذلك-لو تعلم-ضيق صدري مثلك، مرنوش كم لبثنا هاهنا؟

مرنوش: يوما أو بعض يوم.

مشلينا: من أدراك؟

مرنوش: وهل ننام أكثر من هذا القدر؟

مشلينا: صدقت

فسؤال مرنوش: « وهل ننام أكثر من هذا القدر »، هو ذو قيمة احتجاجية. فقد أثار في عقل « مرنوش » استنتاجات جعلته يقتنع بمضمون السؤال: إن طبيعة الإنسان لا تسمح له أن ينام أكثر من يوم أو بعض يوم، وبالتالي لا يمكن لهم أن يناموا أكثر من هذه المدة. وقد تحدث « ديكرو » في هذا السياق عن »الجانب الاحتجاجي الداخلي للسؤال«[15]. إن « مرنوش » الذي اقتنع بعدم قدرة الإنسان على النوم أكثر من يوم، استطاع أن يقنع مشلينا بصحة هذا الاعتقاد.

مرنوش: ويحك إلى أين؟

مشلينا: أو تريدني على المبيت هنا ليلة أخرى؟

مرنوش: ليليتين أو ثلاثا، حتى نأمن على حياتنا من دقيانوس[16]

نلاحظ أن سلوك مشلينا جاء مطابقا لاعتقاد مرنوش الذي صاغ احتجاجه على شكل استفهام يراد منه النفي، أي نفي الاحتجاج الوارد في سؤال مشلينا. وعند دخول الفتية إلى الملك المسيحي، لم يكد أحدهم يفهم احتجاجات ومقاصد الآخر، خاصة الفتية الذين لم يفهموا ماذا يحدث لهم، وفي أي زمان أو مكان هم الآن.

الملك: (يتجلد ويتقدم إليهم، قائلا في صوت متغير بعض الشيء) لقد نزلتم على الرحب أيها القديسون، إننا قد انتظرناكم طويلا كما انتظركم من قبل أجدادنا وأجداد أجدادنا، وإنه حقا لشرف عظيم أن

يمليخا:..انظر إلى ملابس هذا الملك وهؤلاء الجند، في أي بلد نحن؟ !

الملك: (يستطرد) نعم أنه لشرف عظيم أن تخصّوني بهذا الفخر وتظهروا في عصري دون عصر أجدادي المسيحيين.

يمليخا: (هامسا في دهشة لمرنوش) هذا الملك مسيحي.

مرنوش: (وهو يسكته) ألم تفهم غير هذه الكلمة؟

الملك: (للصياد) وأنت أيها الصياد الذي دلنا على مكانهم الكريم سأكافئك. نعم أيها القديسون إننا كنا ننتظر هذه اللحظة المجيدة، لحظة ظهوركم منذ أمد طويل كما هو مدون في التاريخ.

مرنوش: (هامسا وكأنه يخاطب نفسه) هذا الملك مجنون[17].

ينطلق الملك من خلفيات مرجعية غير تلك التي عند الفتية الثلاثة. وهذا ما جعلهم لا يفهمون شيئا مما قاله الملك، من جهة، وقد علموا على تكييف احتجاجاتهم، من جهة أخرى ويتجلى ذلك في قول مرنوش:

مولاي، كم أحمد الله على هذه المعجزة الحقة، إذ أهلك دقيانوس الظالم في طرفة عين، وأخلفك على العرش في الحال وكنت أود أن أطنب في شكر الله على توليتكم بين عشية وضحاها-ملكا على أفئدتنا أجمعين لو لم تكن لي حاجة ملحة لا أستطيع عنها صبرا لحظة واحدة (الملك يبهت قليلا) أن يأذن لي الملك في الانصراف على الفور، إن امرأتي وولدي ينتظران أوبتي في قلق منذ أسبوع، وربما أكثر من أسبوع

ولكن هذه المحاولة لـ »مرنوش » والتي تبعتها محاولات « ميشلينا » و »يمليخا » أخلطت الأوراق. فلم يعد الملك يفهم مما يحدث له.

الملك: (همسا) هؤلاء القديسون مجانين.

غالياس: (يبهت): مجانين ! اللهم غفرانا ! وأين ذهبوا يا مولاي.

الملك: ذهبواأحدهم إلى بيته.

غالياس: بيته؟ !

الملك: هكذا قال ! والثاني إلى غنمه التي ترعى الكلأ.

غالياس: والثالث.

الملك: الثالث راح يحلق [18](18).

يدرك الملك أن هؤلاء القديسين جاءوا من عصر آخر، ولكن باعتبارهم قديسين، فمن الضروري أنهم يدركون وضعيتهم الجديدة هذه، ولكن خطاباتهم تلك لا تشير إلى أي شيء من هذا القبيل. وهم بالتالي يتصرفون وكأنهم مجانين، وهي النتيجة التي خرج بها الملك من استنتاجه.

ونتيجة لذلك، انقطعت العملية التبليغية بين طرفي الخطاب. ولكن الأمور بدأت تتضح أكثر فأكثر بالنسبة لـ »مرنوش » و »يمليخا » أولا، ثمّ « مشلينا » أخيرا.

كانت استنتاجاتهما تتحول واعتقاداتهما تتغير بسبب ما اكتشفاه من حقائق: فقد اكتشف « مرنوش » أن ابنه وزوجته توفيا، وأن ابنه توفي منذ ما يقارب ثلاثة قرون بعد ما حارب العدو »ومات شهيدا في سن الستين بعد أن جلب النصر لجيوش الروم«. أما « يمليخا » فقد اكتشف أنه لا أثر لغنمه. كان أول من اكتشف أنه في عصر غير عصره.

ولكن مشلينا لم يقتنع بما اقتنع به « مرنوش » و »يمليخا » في اكتشافه لحقيقة الأمور:

مشلينا: تريد أن تزعم أنت يا مرنوش ما زعم يمليخا أمس !

مرنوش: لاشك عندي الآن

مشلينا: أيها المسكين  ! لقد جننت مثل يمليخا. هذا كل ما في الأمر.

ثمّ تساور ميشلينا بعض الشكوك:

مشلينا: ماذا تريد؟ إما أن كل هذه حقيقة، وإما أن كل هذا خلط وأن ليلة الكهف المخيفة قد أثرت في عقولنا ! وأغلب ظني أن هذا ليس حقيقة، فها هي بريسكا موجودة كما فارقتها.

ماذا تقول في بريسكا يا مرنوش وقد رأيتها مثلي البارحة؟ أعاشت هي كذلك ثلاثمائة عام؟

ولكن اعتقاده لم يدم طويلا، فقد انحاز إلى اعتقاد مرنوش بعد حوار طويل جرى بينه وبين بريسكا، تبين له فيه حقيقة ما ذهب إليه صديقاه.

الهوامش


[1]– Ubersfeld A. )1981( Lire le théatre, Editions sociales, p. 267.

[2] -Ibid, p. 267.

– توفيق الحكيم، أهل الكهف، ط1؛ بيروت، دار الكتاب اللبناني، ص. 142.[3]

– سعد الله ونوس، الملك هو الملك، بيروت:دار بن رشد للطباعة والنشر.[4]

[5] -D.Maingeneau, Pragmatique pour le discours  littéraire, Paris : Bordas, p. 78.

– الجرجاني،عبد القاهر، (1991)، دلائل الإعجاز، الجزائر، موفم للنشر، ص 82.[6]

– توفيق الحكيم، أهل الكهف، ص.93. [7]

[8] – نفسها، ص.  94.

[9] – نفسها، ص. 96.

– نفسها، الصفحة نفسها.[10]

– أهل الكهف، ص. 127[11]

[12] – ألفريد فرج، حلاق بغداد، (الجزائر: المؤسسة الوطنية للكتاب).

[13] –  أهل الكهف، ص. 38-39.

– سورة الكهف، الآية. 19[14]

[15] -O.Ducrot et Anscombre, L’argumentation dans la langue, Bruxelles, Pierre Mardaga Editeur,       p. 127.

– أهل الكهف، ص 5و6[16]

[17] – أهل الكهف، ص. 46.

 – أهل الكهف، ص. 46-47.[18]

 

مفال منشور في مجلة التبيين، العدد 16، الصادرة عن الجمعية الثقافية الجاحظية، الجزائر، 2001

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s

علاج على الهوا

تعلم كيف تعالج نفسك بنفسك عبر البرنامج الاول في العالم العربي - اعداد وتقديم الاختصاصي محمد رضى عمرو

The WordPress.com Blog

The latest news on WordPress.com and the WordPress community.

%d blogueurs aiment cette page :