عن جدوى دراسة الشعر بالوقوف على إجراءات التداولية

تقديم

سنقوم في هذه المداخلة بالإجابة على بعض الأسئلة التي سبق أن طرحها علينا بعض الطلبة والباحثين في ميدان النقد وتحليل الخطاب الشعري أثناء تدريسنا بقسم الماجستير بجامعة تيزي وزو.

سنقوم في هذا البحث بعرض العناصر التي كانت تشتمل عليها إجاباتنا، ونعرضها للقارئ بصفة منسجمة تمكن الباحث في هذا الميدان من الاستفادة من بعض ما شملته هذه الإجابات.

         من بين هذه الأسئلة التي شغفت الباحث في مجال الشعر:

ما جدوى دراسة الشعر انطلاقا من منهج نشأ، من الناحية الفلسفية، لدراسة الخطاب اليومي واللغة العادية؟

هل إجراءات هذا المنهج كفيلة بدراسة خطاب ليس كباقي الخطابات من حيث الشكل والأساليب التي تنتظم فيها الدلالات، من حيث أنه يتعالى عما هو مألوف ومتداول؟

وإذا كانت الحال كذلك فما هي هذه الإجراءات وما نجاعتها في الوصول إلى تجاوز بعض الهفوات التي سقطت فيها المناهج السابقة؟

للإجابة عن هذه الأسئلة والأسئلة الأخرى لا تقل أهمية عن هذه، سنتعرض في هذا البحث إلى أربعة محاور أساس في نظرنا، اتخذنا فيها موقفا مسبقا، وهو أن المنهج التداولي قادر على الإجابة على عديد من الأسئلة التي لم يجد لها الباحثون حلا أثناء امتطائهم مناهج أخرى. المحور الأول هو بحث في التاريخ عن المناهج القديمة التي تعرضت للشعر بتوسل بعض العناصر المنهجية التي تبنتها التداولية في وقتنا الحالي؛ ثم سنعرج على تحديد مفهوم الشعر كخطاب بنين فيه أن لغة الشعر لا تختلف تمام الاختلاف عن الخطابات الإنسانية الأخرى التي اعتادت التداولية دراستها، ثم سنستعين ببعض ما جاء في التداولية ونظرية القراءة في دراسة الخطاب الشعري. وفي الأخير سنقوم بتطبيق إجراءات نظرية أفعال الكلام على الخطاب الشعري لنجيب على بعض الأسئلة في هذا الميدان.

استعنا في ذلك بعض ما جاءت به قريحة بعض الشعراء العرب القدامى والمحدثين.


شيء من التاريخ

         لا يجادلنا أحد في أن الشعر كان محل دراسة منذ آماد بعيدة، ولدى عدد من الشعوب القديمة، نذكر على سبيل المثال لا الحصر الإغريق والعرب. وظاهرة اهتمام الإنسان القديم بالشعر يمكن تفسيرها باعتبار الشعر من بين أرقى الوسائل التعبيرية التي اخترعها الإنسان ليعبر عن خلجات نفسه وليؤسس عالما تواصليا يشمل جميع العناصر المختلفة الأبعاد التي تشكل عالم الإنسان الاجتماعي والثقافي والأنتروبولوجي… ومن هذا المنظور يمكن التصريح أن دراسة القصيدة الشعرية القديمة، مثلا، هي إجراء من أجل إعادة تشكيل الأبعاد الاجتماعية والتداولية للخطاب. والعملية ليست سهلة كما يتصور وهذا بسبب ندرة المعطيات التي جاورت وجانبت إنشاء هذه القصائد. فحينما نحلل القصيدة الشعرية فنحن نتعامل مع ضمائر مختلفة كضمائر الشخص و الإشارة و الوصل… وعناصر ووحدات لغوية تحيل إلى العالم الخطابي والاجتماعي والثقافي… الذي صدر فيه الخطاب، ومعرفة هذا العالم سيساعدنا حتما على فهم البعد الجمالي للقصيدة الذي يستحيل فصله عن عالمه المختلف الأبعاد الذي نشأ فيه، فنحن نتأثر ونتذوق ونحب ونكره ونستمتع بالشعر، ليس في ذاته وليس بعيدا عن سياقه الذي أنتجه.

         إن ممارسة الشعر لم تكن مقتصرة على الإغريق والعرب والصينيين… بل شملت كل الشعوب القديمة، نظرا لما للشعر من مكانة فريدة من نوعها في الحياة الاجتماعية والدينية وفي بناء الممارسات الخطابية. فقد كانت كل جوانب الحياة اليومية والعقائدية والخيالية… محل تصوير شعري مثل وصف الأطلال ووضع الأساطير الدينية و الدنيوية وحمل الناس على الخضوع للسلطان ودفعهم إلى خوض الحروب والمعارك ووصف مقامات اللهو … فالدراسات الكلاسيكية للشعر العربي، مثلا، على الرغم من نقائصها و محدوديتها، إلا أنها  استطاعت  أن توفر لنا تلك العناصر التي من شأنها المساعدة على فهم البعد التداولي والسياقي للشعر  العربي القديم.

             فدراسة الظروف التاريخية التي نشأ فيها الشاعر والمناسبات التي قيل فيها الشعر والظروف الاجتماعية والثقافية التي أحاطت هذه الخطابات … كلها أبعاد يحتاج إليها محلل الشعر الذي يعتمد على إجراءات التحليل التداولي، لمعرفة البعد الجمالي له، دون أن ينحرف المحلل في ذلك عن نتائج البحث المحايثي، لأن معرفة الأنساق الخطابية واللغوية التي بنيت عليها القصيدة أمر مهم للغاية.

ولو عدنا أيضا إلى المناهج التي درست بها مختلف الخطابات القديمة، بما في ذلك الشعر، لوجدنا أن الإجراء التداولي كان دوما مصاحبا لهذه المناهج. فقد أثبتت العديد من الدراسات العربية الحديثة أن التداولية، كممارسة في تحليل الخطابات، كانت حاضرة بقوة عند العرب القدامى، أمثال الجاحظ و عبد القاهر الجرجاني و ابن قتيبة و السكاكي … أي في جميع فروع المعرفة اللغوية والأدبية والأصولية والفقهية … وكانت حاضرة أيضا     عند الإغريق، و أشهر كتاب عرفه التاريخ في هذا المجال كتاب الشعر لأرسطو الذي ظل مرجعا إلى وقتنا هذا ينظر في تحليل الخطابات التي تشكل الحياة الاجتماعية للإغريق.

          والشعر العربي، كما يقول النقاد و المؤرخون، كان يشكل سجل الحياة العربية، بكل ما يحتويه من تناقضات و فكر وأحاسيس……

         فقد قسم النقاد القصيدة العربية إلى قصيدة المدح والذم والوصف والهجاء والغزل… وقد شملت مناحي الحياة كلها، وكانت المروءة تتحلى في القدرة على نظم الشعر أكثر منها على قرع السيف، والرجال الذين خلدهم الزمن هم الذين تفوقوا في كتابة القصائد مع القدرة على التأثير في العقول والأذهان. فكيف للتاريخ أن يخلد شخصا كعنترة بن شداد، هذا الرجل المنبوذ في المجتمع، وكذا الشنفرى الصعلوك، لو لم يكتبا المعلقات والأشعار.

         ألم تكن حرب البسوس التي دامت قرابة أربعين سنة حربا بالسيوف والشعر؟ ألم يكن لتغلب شاعرها المقاتل بالشعر عمرو بن كلثوم ولبكر شاعرها الحارث بن حلزة ؟ ألم تكن القبائل العربية في العصر الجاهلي تفتخر بشعراتها وتتنافس في قول الشعر و نظمه؟

         وعند مجيء الإسلام، نزل القرآن الذي استطاع أن يبطل إلى حد بعيد من مفعول الشعر في بناء العالم الخطابي للمجتمع العربي، لكنه لم يتمكن من إزاحته بصفة نهائية، بل ظل الشعر ضاربا جذوره في العقول والنفوس، وكان أن تحول عند بعض الشعراء إلى خدمة الدين الجديد، وظل عند بعضهم سلاحا ضده، حتى وصفهم الله سبحانه وتعالى بالسوء في قوله :  » الشعراء يتبعهم الغاوون، ألم تر أنهم في كل واد يهيمون، وأنهم يقولون ما لا يفعلون » ( الشعراء : 224 – 226). يقول الزمخشري في تفسيره لهذه الآيات :  » ومعناه أنه لا يتبعهم على باطلهم وكذبهم وفضول قولهم وما هم عليه من الهجاء وتمزيق الأعراض والقدح في الأنساب والنسيب في الحرم والغزل والإبتهار ومدح من لا يستحق المدح ولا يستحسن ذلك منهم، ولا يطرب على قولهم إلا الغاوون والسفهاء والشطار » (الكشاف : ص 376).

         و صار الشعر العربي بعد هذه المرحلة وسيلة لصراع طويل بين الفرق والملل و النحل، وصار سلاحا ضد الشعوب الأجنبية المحاربة لدولة الإسلام كالفرس والروم، وظل يصف الحياة الاجتماعية والثقافية والعقائدية… العربية لمدة قرون، حتى صار فعلا، سجل الحياة العربية (الخطابية) لقرون طويلة. فالظاهرة نفسها، نجدها إلى حد ما عند الإغريق، حيث ظل شعرائها يصفون وينقلون العالم كما هو معروف عند الإغريق القدماء، وكانت الإلياذة والأوديسة، أحسن شاهدين على النمط المعيشي والخطابي للإغريق، وعلى أساطيرهم ومعتقداتهم ونظرتهم إلى الوجود والكون.

         ولم ينج الشعراء من الاضطهاد والحبس والتعذيب والحط من قيمتهم، ليس إلا لأنهم قاموا بمحاولات لتغيير النمط الخطابي المعروف والسائد، أو لأنهم قاموا بتثبيت     هذا النمط. والكل يعرف قصة الحطيئة مع الخليفة عمر بن الخطاب عندما أنشد          البيت الشعري المشهور في هجاء الزبرقان بن بدر:

دع المكارم لا ترحل لبغيتها           و اقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي

و كيف استطاع أن يخرج من السجن بقصيدته التي مطلعها:

ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ           زغب الحواصل لا ماء و لا شجر

ما هو الشعر ؟

         إن الإجابة على هذا السؤال سيساعدنا، حتما، على اقتراح الإجراءات المنهجية التي سيستلهم منها محلل الشعر إطاره النظري وجهازه المفهومي الذي سيعتمده دعامة لتحليل القصائد الشعرية، مهما اختلفت مواضيعها وتباينت، ومهما تباعدت الفترات الزمنية التي ألفت فيها؛ هذا التحديد الذي نحن بصدد وضعه، سيأخذ بعين الاعتبار الخاصية الحقيقية للخطاب لدى الإنسان، ونحن في ذلك كله، نعتقد أن الخطاب الشعري لا يختلف تمام الاختلاف عن الخطابات الأخرى الصادرة عن الإنسان، رغم تميزه، نسبيا، عنها.

         إن التحديدات التي تستند إلى الشكل لتعريف ظاهرة الشعر، لا يمكن لها أن تفي بالغرض في هذا الميدان لأنها تهمل الجانب الأساسي فيه وهو كونه خطابا متعدد الأبعاد، وصادرا من شخص يتفاعل مع أشخاص  آخرين ضمن مجموعة من المعطيات السياقية والمقامية؛ ومن أمثلة هذا النوع من التعريفات، قول قدامة بن جعفر من أن الشعر هو الكلام الموزون المقفى الذي يدل على معنى، فهذا التحديد الشكلي للشعر، وإن كان يحتوي على بعض ما نحن بحاجة إليه في هذه الدراسة، لا يعبر تمام التعبير عن ماهية الشعر. هناك أيضا قول الفارابي « إن الشعر هو كلام مخيل مؤلف من أقوال موزونة ومتساوية، وعند العرب مقفاة. »(رسالة في قوانين صناعة الشعراء، ضمن كتاب فن الشعر، تحقيق عبد الرحمن بدوي، القاهرة، 1953، ص161.)

         والشعر، في رأينا، هو خطاب من شأنه أن يثير اللذة والمتعة في نفوس المستمعين والقراء بشد انتباه هؤلاء وإثارة اهتمامهم وحملهم على الاهتمام بمضامينه، وتبني ما يحمله من معتقدات وأفكار، وبذلك يتم التغيير في معتقداتهم.

         والشاعر المتفوق هو الذي يعرف يقينا أن شعره هذا لن يتوقف مفعوله حيث قاله. و قد أدرك المتنبي هذه القاعدة حين قال :

أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي          وأسمعت كلماتي من به صمم

وقوله أيضا:

و ما الدهر إلا من رواة قصائدي       وإذا قلت شعرا أصبح الدهر منشدا

         و لكن ما الذي يجعل هذا الدهر منشدا للشعر، وأقل إنشادا للخطابات الأخرى، بما في ذلك الكلام اليومي؟

         إن الذي يميزه عن باقي الخطابات هو العنصر الإيقاعي الذي يتميز به؛ فلو نظرنا إلى الكيفية التي نشأ بها الشعر الجاهلي من محاكاة لسير الإبل، لأدركنا ذلك. والإيقاع هو أحسن وسيلة لشد انتباه المستمع أو القارئ وبعث المتعة في نفسه وجعله يتفاعل مع أقوال الشاعر وآرائه؛ والتأثير في النفس بغرض الإقناع و التغيير في معتقدات الغير وحمل هذا الأخير على تبني مقولات الشاعر أو المتكلم، هي من بين القواعد التي أسسها  سقراط حينما قال إن الحجاج حجاجان : حجاج النفس والعواطف، وحجاج العقل والفكر.

         و نحن نعتقد أن الإيقاع هي وسيلة لشد انتباه المستمع وإثارة نفسه وشعوره في مرحلة أولى، ثم حمله على تبني أفكاره ومعتقداته، في مرحلة ثانية، لأن النفس لا يتدخل العقل في ثورانها، بل وفي غالب الأحيان تطغى على العقل وتبطل مفعوله.

         وهذا العنصر الإيقاعي الذي يحدد هذا المفعول مبني على أساس لغوي بحت، أي على أساس ترابط الكلمات و تجاورها وصيغ المفردات وأوزانها، وتقديمها وتأخيرها. يقول الجرجاني في ظاهرة التسجيع :  » فإذا رأيت البصير بجواهر الكلام يستحسن شعرا أو يستجيد نثرا …. فاعلم أنه ليس ينبئك عن أحوال ترجع إلى أجراس الحروف وإلى ظاهرة الوضع اللغوي، بل أمر يقع من المرء في فؤاده، وفضل يقتدحه العقل من زناده » (أسرار البلاغة : ص : 4)، ثم يقول في مقام آخر :  » إن الحسن والقبح فيها لا يتعدى اللفظ و الجرس إلى ما يناجي فيها العقل النفس … أما التجنيس فإنك لا تستحسن تجانس اللفظتين إلا إذا كان موقع معنييهما من العقل موقعا جيدا، ولم يكن مرمى الجامع بينهما مرمى بعيدا، أتراك استضعفت تجنيس أبي تمام.

ذهبت بمذهبه السماحة فالتوت       فيه الظنون أمذهب أم مذهب ؟

         و قد أشار الجرجاني إلى أن بعض من يكتبون الخطب أو يضعونها يتعمدون التسجيع لتصير متداولة تداول الأشعار، وقد ذكر خطب الجاحظ كمثال على ذلك حيث يقول : « انظر إلى خطب الجاحظ في أوائل كتبه، هذا – و الخطب من شأنها أن يعتمد فيها الأوزان و الأسجاع، فإنها تروي و تتناقل تناقل الأشعار، ومحلها محل النسيب والتشبيب من الشعر الذي هو كأنه لا يراد منه إلا الاحتفال في الصنعة، والدلالة على مقدار شوط القريحة، والأخبار عن فضل القوة، والاقتدار على التفنن في الصفة، قال في أول كتاب الحيوان : « جنبك الله الشبهة، وعصمك من الحيرة وجعل بينك وبين المعرفة سببا، وبين الصدق نسبا … (كتاب أسرار البلاغة : ص 9).

       فالبنية النصية للشعر، إذن، هي التي تكتب للشعر الدوام، لأنها تسهل عملية الحفظ.

فتقول إذن إن هناك وعيا باللغة التي تشكل أساس الفعل الأدبي.

         وقد لعب الشعر في العصر الحديث دور وسائل النضال والتغيير والإصلاح الاجتماعي والسياسي، وقد ظل لعقود الوسيلة الدعائية المثلى لمحاربة الاستعمار، وبعدها بناء المجتمعات و النهوض ضد الأنظمة الفاسدة، وفي الوقت الذي انزاح دور الشعر، ولم يعد يلعب الدور نفسه الذي لعبه في عصر النهضة وبعده، ويبدو أن هناك من لا يزال يؤمن بدور هذا الخطاب في مجابهة عوائق الحياة العصرية؛ فالأنظمة العربية الحالية، كما يذهب إلى ذلك الشاعر ممدوح عدوان، لا ترغب في أدب – بالأخص في شعر،  يستفزهم، وهم الذين بيدهم المقدرات والسياط ولا يضطرهم لقراءته … « ففي عالمهم هذا الذي يريدونه على مقاسهم يصبح الشعر غير المخصي وغير المدجن شعرا مرفوضا ومطاردا ويصبح الشاعر مشبوها أكثر من الجاسوس، يصبح رأس الشعر مطلوبا لأنه لا بد أن يشاغب. يشاغب الشعر على الخيانة والمؤامرة والقتل، أو يشاغب على التفاهة والسطحية والشعوذة. والشعر إن لم يقل « لا » بشكل صارخ و جارح، فإنه لا يقبل أن يقبل « نعم » حتى يقطع رأسه » (ممدوح عدوان : الأعمال الشعرية الكاملة : المجلد الثاني، دار العودة، بيروت، 1986 – ص 7) والشاعر في نظر ممدوح عدوان، دائما، منتم إلى إحدى الطائفتين : إما أنه طامح إلى تغيير العالم وإما إنه مساهم في تكريسه، ولا مجال للحديث المنافق عن ضرورة عدم تدخل الشعر في السياسة أو الاقتصاد أو المجتمع. فهذا الحديث ذاته يسعى إلى تكريس موقف سياسي واقتصادي واجتماعي للشعر، يريد جعله مادة تسلية و ترفيه أو مادة تخدير و تثبيت للعالم على صورته القائمة (ممدوح عدوان، ص 8) فالشعر يساهم في تغيير الإنسان و تغير نظرته للحياة لكي يتمكن هذا الإنسان من تغيير العالم.

  ماذا عن قائل الشعر و متلقيه ؟

         إن دراسة العلاقة بين قائل الشعر (وليس الشاعر) و قارئه (أو مستمعه) يدفعنا        إلى الاهتمام بمجموعة من القضايا المتعلقة بالمتلفظ وبالمتلفظ له (أو المتلقي) وبعالم أو إنية التلفظ أو الخطاب، و بالصور التي يبينها قائل الشعر عن نفسه، سواء أكان ذلك بصفة عمدية أم لا،  وبمختلف القراء …

         تجدر الإشارة، في بداية هذه النقطة، إلى ما ذهب إليه جرايس في أن أي عملية خطابية لا بد أن تتأسس على مبدأ التعاون الذي يضمن عدم انقطاع العملية التبليغية. و لا يمكن الحديث عن النص الشعري بانعدام القارئ (أو المستمع).

         والمشكل الذي يطرحه هذا الموضوع في أي خطاب أدبي، وبخاصة الشعري، هو البعد اللاتناظري له. فالقارئ لا يتواجد في وضعية مغايرة لوضعية قائل الشعر (أو الشاعر). فكيف إذن، للقارئ الحالي أن يتفاعل مع نصوص المتنبي وأبي العتاهية والمهلهل وهوميروس … وهم شعراء ينتمون إلى بيئات ثقافية وفكرية واعتقادية تختلف عما هو موجود في وقتنا هذا؟ كيف له أن يؤول تأويلا قريبا من الحقيقة تلك النصوص التي تحيل عناصرها اللغوية على أشخاص وأماكن وأحداث مجهولة بالنسبة لنا ؟ هذا التباعد الموجود على مستوى الزمان والمكان  هو مصدر الغموض الموجود على مستوى النصوص الشعرية القديمة (و غيرها)[1]

         ويشير منغونو، أيضا، إلى أن فعل القراءة هو المعلم لتفسير وتأويل الإحالات التي على غرار المبهمات الشخصية ومبهمات الزمان والمكان، والأسماء الإشارية … فالقارئ هو الذي يضفي دينامية وحركية على النص الذي يقرأه، مما يجعلنا نتحدث عن التلفظ المشترك، وهذا يعني أيضا أن النشاط الزمني يتمحور على زمن القراءة وليس زمن الكتابة، وتتعدد الأزمنة نفسها كلما تعدد القراء، ويصير الحاضر الذي كان يوما حاضر الشاعر أو الكاتب، متعددا وغير متناه، فكلما تلفظ القارئ بهذا الزمن خلق وضعا جديدا بحاضر جديد فمن يقرأ هذه الأبيات الشعرية للمتنبي سيصير هو القائل:

رماني الدهر بالأرزاء حتى        فؤادي في غشاء من يبال

فصرت إذا أصابتني سهام     تكسرت النصال على النصال

         إن التحليل الزماني لأي خطاب (شعري) يستلزم دراسته من ناحيتين تلفظيتين، ناحية الكاتب أو الشاعر وناحية القارئ.

         وكم هي صعبة ومعقدة عملية التأويل والتفسير التي يضطر فيها إلى إيجاد العناصر اللغوية التي تشكل اتساق النص وانسجامه وتحليلها ، انطلاقا من سلاسل المقاطع   اللغوية مرورا بتحديد هويات الشخصيات ومراتبها ووظائفها داخل النص، وانتهاء   بالظواهر التلميحية و الضمنية المنثورة في ثنايا النص… وهو الأمر الذي يدفعنا  إلى الحديث عن الإستراتيجيات التي يتبناها القارئ لفك رموز النص والوصول إلى الولوج إلى ثنايا النص. ويحتاج القارئ في هذه العملية إلى معرفة مختلف الظروف والسياقات التي سبقت إنشاء هذا النص.

         هذه الاستراتيجيات التي يتبناها القارئ جعلت القراء يتعددون، لأن القارئ حينما يشرع في تأويل وفك رموز النص، سيقوم بوضع إستراتيجية تحاول أن تقترب من تلك التي وضعها الشاعر المؤلف. فيقوم الشاعر أحيانا بإقحام القارئ في النص قصدا منه في إشراك القارئ (المستمع) فيما يقول عن طريق مخاطبته إياه باستخدام الضمير المخاطب، في الغالب، أو ضمير المتكلم، يقول ممدوح عدوان:

إنا نسير على النعل

لا نتوقف

 حتى نزيل الغشاوة عن سحنة الأفق

نعرف

هل نحن في الصبح ؟ أم في المساء ؟ (ص55)

و قوله في مكان آخر :

صرخت: تعالوا، أنظروا …

 أنظروا

كيف جاءت تلوح في الزهر فواحة

أوقفوا الزغردات،

اسمعوا :

إن أمي تزغرد فينا دماء … (ص 30 )

أو قول النابغة الذبياني (ديوان النابغة الذبياني، ص 19)

فكن كأبيك أو كأبي براء        توفقك الحكومة و الصواب

         ومن بين العناصر التي يعتمدها القارئ في إستراتيجية لمجابهة النص، امتلاك معرفة عن السياق التلفظي للنص، سياق يمكن حصره في الفترة التي نشأ فيها الشاعر، أي سيرة هذا الأخير، والمناسبة التي قيل فيها النص الشعري، النوع الذي ينتمي إليه النص؛ يضاف إلى ذلك معرفة جيدة لقواعد اللغة التي أنتجت النص، وثراء معجمي يسمح له بفهم يسير لألفاظ النص، دون أن ننسى القيم التي تصاحب هذه الألفاظ، والتي تتجلى في الدلالة الإيحائية لها.

ويتحدث منغونو في هذا السياق نفسه عن امتلاك القارئ لمجموعة من الشبكات تسمح له بفهم انتظام العلاقات  بين النصوص، وقواعد انتظام النصوص، التي يبني عليه مفهوم الاتساق و الانسجام.[2]

 (أنظر أيضا : محمد الخطابي : مدخل إلى انسجام الخطاب)

 نضيف إلى ذلك معرفة النصوص السابقة التي أنتجها الشاعر والكفيلة بإعطاء صورة واضحة عن آرائه وأيديولوجيته في الحياة.

         إن ما سبق قوله، يتعلق بالقارئ و بإستراتيجيته في فك رموز النص و تحليله، يبقى أنه يتعين علينا أن نتحدث عن إستراتيجية الشاعر أو الكاتب في بناء نصه.

         إن الإنية التلفظية التي يتواجد فيها الشاعر تجعله يضفي على ذاته النصية التلفظية مجموعة من الصفات والخصال تتناسب مع خطابه. هذه الذات ليست تلك الموجودة على مستوى الواقع، بل تلك التي يبنيها الشاعر عن نفسه في نصه، إن كل ما قاله المتنبي عن نفسه في مختلف القصائد التي نظمها طول حياته، ومختلف الصفات المسندة إلى نفسه في شعره، لا تدل بالضرورة على خصاله التي تحلى بها في الواقع. إنها صفات متواجدة في العملية التلفظية، بل هي التي تجعل هذه العملية تتحقق. فالشاعر قد يدرك في قرارة نفسه أن أخلاقه وخصاله، في واقع الأمر، لا يعرفها إلا ثلة من أقربائه، وهو متأكد أن القارئ الافتراضي قد لا يعرف شيئا عن هذه الصفات، إنما الصفات التي يدركها هي تلك المتواجدة في النص المتلفظ به. هذا الأمر قد ينطبق على شعراء آخرين من أمثال النابغة الذبياني وعمر ابن أبي ربيعة ونزار قباني ومظفر النواب و غيرهم.

         و في إستراتيجيته الخطابية، يقوم الشاعر باستمالة أحاسيس وشعور القارئ (المستمع)، و يجعله يتفاعل نفسيا وعاطفيا مع خطابه، ولا يشترط في ذلك صدق شعور الشاعر، لأن ذلك ما هو إلا مجرد إستراتيجية للوصول إلى غاية معينة. فإذا تعلق الأمر بالشعر الملقى فهناك وسائل عديدة لتحقيق هذه الإستراتيجية، منها الحركات والإيماءات والنبرة الصوتية و نظرات العيون… فلا يوجد هناك أدل، في إلياذة الجزائر، من قراءة    مفدي زكريا لهذا النص في قاعة زينت بصور عن المعارك والجهاد الثوري للجزائريين، في ظل النبرة الرنانة للشاعر، وبخاصة حينما ترتفع هذه النبرة عن بعض المقاطع، ويصحب ذلك حركات اليد و الرأس.

         أحيانا، تتغلغل بعض صفات الشاعر في نصه دون أن يتعمد ذلك، لأنه، فيما سبق، يتعمد الشاعر إدراج هذه الصفات، ونتحدث في هذا الإطار عن صورة الشاعر في نصه، وهي صورة لا تبدو بجلاء في هذا النص، إنما يحتاج فيها القارئ إلى تبني إستراتيجية تضمينية لذلك؛ فقد تتوقف هذه الإستراتيجية على الاعتماد على دراسة العقد النفسية للشاعر وتوجهاته الثقافية والاجتماعية والإيديولوجية. فمما توصل إليه الدارسون مثلا، على لوحة الفنان المشهور ليوناردو دافنتشي، ألمونا ليزا، أنه مصاب بعقدة أوديب، ومن يقرأ بعض نصوص أبي نواس، سيشعر بنزعة نحو التصوف هو لم يرغب في التصريح بها، رغم نزعته المفرطة في المجون في أغلب قصائد شعره. وهذه النزعة نفسها نلحظها في أشعار أدونيس و بعض الشعراء المحدثين أمثال إيليا أبي ماضي.

وفي هذا الإطار، يمكن لنا أن نتحدث من مفهوم التموضعLe positionnement  والمقصود به هو أن يضع الشاعر خطابه ضمن التوجه العام، وكذلك الخاص، الذي ينتمي إليه، كأن يصنف خطابه ضمن الخطابات المناهضة لنظام أو إيديولوجية ما، أو ضمن فئة فكرية أو دينية أو ثقافية أو مجتمعية، هذا التموضع قد نجده جليا وواضحا عند الشعراء المحدثين الذين ينتمون إلى أحزاب وإيديولوجيات معينة كاليسارية و التقدمية … وعند الشعراء الجاهليين بميولهم نحو قبائلهم بسبب النزعة القبلية التي سادت آنذاك أمثال المهلهل والشنفرى وامرئ القيس وعمرو بن كلثوم وللحارث بن حلزة…

          و لكي نخلص من هذا المبحث، نقول ما قاله الباحث علي آيت أوشان (السياق والنص الشعري ص 108-109.) من أن النص الأدبي، في نظر إيكو، غير مكتمل نظرا لأن الأمر لا يتعلق بالجانب اللساني الذي يسعى دائما إلى تحديد النص الأدبي فقط… إن النص الأدبي (بما في ذلك الشعري) يتميز عن باقي الأصناف التعبيرية الأخرى ببنائه المركب الذي تتدخل فيه عدة عناصر ومكونات، فهو نسيج عمليات معقدة … لذا فمفهوم التأويل يدخل دائما جدلية بين إستراتيجيين، إستراتيجية المؤلف وجواب القارئ ؟ القارئ النموذج ونحن هنا نتحدث عن إستراتيجية القارئ.

الشعر ونظرية الأفعال الكلامية   

         أثناء تحديد أوستين لظاهرة الأفعال الكلامية، توصل إلى نتيجة مفادها استحالة وجود ملفوظ يتجرد من قيمته الإنجازية، فقد أقر في الأخير أن الخطاب الإنساني كله أفعال كلامية. فمنذ أن يستيقظ الإنسان من نومه إلى أن لا يعود إليه، وهو يقوم بأفعال كلامية متتالية أحيانا ومتداخلة أخرى لأنه في بحث مستمر عن التأثير في غيره لإثبات وجوده في المجتمع، فقول الشعر ذاته، هو فعل كلامي يسعى الشاعر من خلاله إلى التأثير في مستمعيه (قارئيه)، وقد بلغ هذا الفعل ذروته في العصر الجاهلي وما بعده حينما شكل الشعر قوة تشارك بها القبيلة أو الدولة في حروب السيوف والرماح. فكان الشاعر حينما يقول شعرا، تتغير الأفكار والمفاهيم، و يأخذ التاريخ وجهة جديدة أرادها له الشاعر.

   ومنه، يستطيع الباحث أن يدرس ظاهرة قول الشعر كفعل ويمكن أن ندرس هذه الظاهرة من الوجهة النصية وذلك حينما نصرح بأن القصيدة الشعرية فعل كلامي جامع ينبني على مقصدية محددة تساعدنا كتب التاريخ على استكشافها. وتندرج ضمن هذا الفعل الكلامي الجامع أفعال جزئية، تؤدي هي أيضا أغراضا ووظائف تخرج كلها في الغرض أو المقصد الأساس الذي وضعت من أجله القصيدة.

     و إذا نظرنا إلى هذه الظاهرة من وجهة نظر أوسع، بإمكاننا أن نقول إن كل القصائد الشعرية التي ينظمها الشاعر طول حياته، يمكن لها أن تكتسي طابعا انسجاميا محددا فيمكن القول مثلا، إن قصائد عنترة ابن شداد يمكن أن تندرج ضمن رغبة الشاعر في الخروج عن النمط الاجتماعي والقانوني الذي وضعه فيه المجتمع هو وأمثاله. ويمكن أن ندرس أكثر من شاعر ضمن هذه الرؤية بالاستعانة بنظرية الأفعال الكلامية ولسانيات النص.

           ونقول في سياق آخر، إن القصائد التي وصلت إلينا، نجح فيها الشاعر في إيصالها إلى من يريد من معاصريه والأجيال اللاحقة، ويعود سبب ذلك، في رأينا، إلى توفيره شروط النجاح التي يقتضيها الفعل الكلامي لكي يتحقق. ففي قصيدته، يقوم الشاعر بإثبات منزلته، وبإقرار دوره في المجتمع والحياة، و بناء منزلات الآخرين ومراتبهم، وسعي إلى أن الآخر سيعترف بمرتبته وبمنزلته الاجتماعية، بل والكلامية الخطابية، إذ صار الشاعر يحسب له كل حساب، لأنه اكتسب القدرة على تغيير مجرى التاريخ والأحداث حتى صار الشعر مؤسسة لا يستغني المجتمع عنها، وصار الحاكم يستعين بالشاعر لتخليده وتغليبه على خصومه و أعدائه.

         وقد سمح المجتمع بما له من قوانين ومؤسسات وطرق تفكير أن يؤسس لمجموعة من القواعد (قواعد اللعبة) رفعت من قدر الشعر والشعراء، وسمحت للشاعر بتوظيف هذه القواعد ليجعل من أفعاله الكلامية (أي شعره) أفعالا ناجحة ومتحققة في الواقع. و قد سمح له هذا، أيضا، أن يتفاعل بحق مع مجتمعه تفاعلا يجعله سيد الكلام ومخلده وقد نعرف ما للكلام من قيمة لدى المجتمعات القديمة، وبخاصة المجتمع العربي..

 المراجع

1-   القرآن الكريم.

2-   الزمخشري، (د.ت.)، الكشاف، تحقيق يوسف الحمادي، مكتبة مصر، الفجالة، مصر.

3-   الفارابي، (1953)، رسالة في قوانين صناعة الشعراء، ضمن كتاب فن الشعر، تحقيق عبد الرحمن بدوي، القاهرة.

4-   عبد القاهر الجرجاني، (1983)، كتاب أسرار البلاغة، تحقيق هـ . ريتر، دار المسيرة، بيروت.

5-   ممدوح عدوان، (1986)، الأعمال الشعرية الكاملة، المجلد الثاني، دار العودة، بيروت.

6-   ديوان النابغة الذبياني، 1982، دار بيروت للطباعة والنشر، بيروت.

7-   علي آيت أوشان، السياق والنص الشعري من البنية إلى القراءة، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الدار البيضاء، المغرب.

8-   حنا الفاخوري، (1970)، منتخبات الأدب العربي، منشورات المكتبة البولسية، بيروت.

9-   D. Maingueneau, (1990), pragmatique pour le discours littéraire, Bordas, Paris.


[1] D. Maingneneau (1990) pragmatique pour le discours littéraire, Bordas, Paris, P 27

[2]Pragmatique Pour le discours littéraire, P 37.       

   مداخلة ألقيتها بملتقى علم النص: تداولية الخطاب الشعري، قسم اللغة العربية وآدابها، جامعة الجزائر، 25/26 نوفمبر 2008

Responses

  1. الشكر الجزيل لأستاذنا الفاضل على هذا الموضوع

    • أشكرك على اهتمامك بأعمالي، إنه لشرف عظيم لي.

  2. جزاك الله عنا كل خير


Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s

علاج على الهوا

تعلم كيف تعالج نفسك بنفسك عبر البرنامج الاول في العالم العربي - اعداد وتقديم الاختصاصي محمد رضى عمرو

The WordPress.com Blog

The latest news on WordPress.com and the WordPress community.

%d blogueurs aiment cette page :